محمد جمال الدين القاسمي

412

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين ، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم ، أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان . وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدّونه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض ، أحمرهم وأسودهم . . . أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة . فلها ما كسبت . وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم . ولا تسألون إلا عن عملكم . قال الراغب : إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس ، صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم لا سيما في أمور دينهم . ولهذا حكى عن الكفار قولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] . فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة . وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك ، تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن . فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه . وفي الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيها على نحو ما قال : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] ، وقوله لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] ، وقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * [ الأنعام : 164 ] ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم : كل شاة تناط برجليها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها روى البخاريّ في صحيحه « 1 » عن البراء رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت . وأنه صلى أول صلاة صلاها ، صلاة العصر وصلّى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكة . فداروا ، كما هم ، قبل البيت . و روى مسلم « 2 » : عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه : صلينا مع رسول

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، سورة البقرة ، 12 - باب سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ . . . ( 2 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 12 .